أحدث الاخبارأحدث الاخبار: حقوق الانسان في ايران

العرب اللندنیة : ذكريات مؤلمة لا تُمحى من سجون إيران

أربعة سجناء إيرانيون يصفون لـ"العرب" أجواء مجزرة العام 1988.

العرب اللندنیة : ذكريات مؤلمة لا تُمحى من سجون إيران

ضحايا قتلتهم جميعا فرقة الموت:
تُضيف إيران كل عام قائمة جديدة لسجل ضحايا الإعدامات. إلا أن إعدامات السنوات الأولى حفرت لها مكانا استثنائيا في هذا السجل، لسببين على الأقل؛ الأول، هو الطبيعة العشوائية للإعدامات التي تمّ تنفيذ معظمها في غضون أيام معدودة. والثاني، هو أنها طالت أعدادا تجاوزت 30 ألف شخص. ومع ذلك فقد بقي منهم من صار بوسعه أن يكون شاهدا على بعض ما كان يحدث.

لندن – تعدّ ظروف السجون في إيران سيئة للغاية، بحكم طبيعتها، وطبيعة المطلوب منها بصفة رسمية، إلا أنها ميدان لانتهاكات جسيمة أيضا، لاسيما للسجناء الذين يعتقلون لأسباب سياسية أو لمشاركتهم في نشاطات تنظر إليها السلطات على أنها تشكل خطرا على استقرار النظام. وعدا عن أعمال التعذيب الشائعة، مثل الضرب بأسلاك الكهرباء أو التعليق في السقف لمدة طويلة، أو استخدام أدوات تحدث آلاما شديدة، فإن بعض الانتهاكات تصل إلى مدى أبعد من هذه الأعمال المألوفة.

وما هذه الأوضاع إلا نتاج الإرث الذي أسسه نظام “الولي الفقيه” منذ سنواته الأولى. وهو إرث لم يتغير. فبعد حملة الإعدامات الجماعية في العام 1988، ظل سجل الإعدامات يقدم المئات كل عام من الضحايا الذين يتم إصدار الأحكام ضدهم في ظروف لا تتوفر فيها أبسط قيم العدالة. حتى أن بعض القضاة كانوا يقولون للذين يتم إعدامهم “إذا كنتم أبرياء، وأخطأنا بالحكم عليكم، فسوف تذهبون إلى الجنة”.

ومع تجدد التحقيقات في مجزرة العام 1988، بعد تولي الرئيس إبراهيم رئيسي لمنصب الرئاسة في إيران، بحكم كونه واحدا من أعضاء “فرقة الموت” في طهران التي أشرفت على التنفيذ، التقت “العرب” عددا من السجناء ممن عرفوا تلك الأوضاع التي أسست لدولة الإعدامات الأكبر في العالم.

الناجية الوحيدة بين ستة إخوة

خديجة برهاني: والداي توفيا، إخوتي قتلوا وأنا الناجية الوحيدة من العائلة

تقول خديجة برهاني: في العام 1981، كنت في الثانوية عندما اعتقلتني قوات الحرس. ودون أي دليل، سُجنت لمدة ثمانية أشهر.

ونظرا لصغر حجم مدينة قزوين، انتشرت الأخبار بسرعة، عن اعتقال فتاة في الثانية عشرة من عمرها. وعلى الفور، قام والداي بمساعدة شخصيات وأعيان المدينة، بالضغط على السلطات هناك. وبعد 8 أشهر، تم إطلاق سراحي بعد تنازل والديّ عن سند المنزل ومليون تومان نقدا لهم.

ونتيجة للضغوط التي مارسها النظام على والديّ، أصيبا كلاهما بجلطة وتوفيا، وأنا الآن الناجية الوحيدة من هذه العائلة: أخي الأكبر سيد محمد مهدي 27 عاما، كان أستاذ فلسفة ويتحدث 5 لغات حية من لغات العالم، تم اعتقاله وتعذيبه في أغسطس 1982. وبعد أسبوع من التعذيب المرهق في سجن إيفين تم إعدامه.

أخي الثاني سيد محمد علي، كان أستاذا مساعدا في جامعة طهران، وحافظا للقرآن باللغتين العربية والإنجليزية. وفي فجر 9 سبتمبر 1981، بعد التعذيب الوحشي وحرق جسده بالسجائر، تم إطلاق النار عليه أمام فرقة الإعدام وهو في سن الـ24.

كان شقيقي الثالث سيد محمد مفيد مهندسا ميكانيكيا يبلغ من العمر 29 عاما، سقط شهيدا في “عملية الضياء الخالد” ضد قوات الحرس الثوري.

واعتقل أخي الرابع سيد أحمد، الحاصل على درجة الماجستير في الرياضيات وكان تقنيا في الإذاعة والتلفزيون مع أخي علي وأنا، وتعرضنا للتعذيب في أغسطس 1981، أثناء مداهمة قوات الحرس لمنزلنا.

وعلى الرغم من الحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما، تم إعدامه في مذبحة عام 1988.

واعتقل أخي الخامس سيد محمد حسين، وكان طالبا في اختصاص الرياضيات والفيزياء وهو ابن 17 سنة، في الخامس والعشرين من مارس 1981 مع أصدقائه أثناء قيامهم بتوزيع مجلة مجاهدي خلق. واحتجاجا على اعتقالهم أثناء نقلهم إلى سجن شوبينديره بالحافلة الصغيرة، أطلق عناصر قوات الحرس النار عليهم، مما أدى إلى مقتل أصغر المعتقلين.

حكم على حسين بالسجن المؤبد، ولكن خلال مذبحة عام 1988، تم إعدامه شنقا.

شقيقي السادس سيد محمد حسن، لم يكن يتجاوز الـ25 من عمره عندما اعتقل في الثاني والعشرين من يونيو 1981، وتعرض للتعذيب على الفور. وأبقوه في السجن لمدة 4 سنوات دون تحديد مصيره.

وبعد الإفراج عنه مباشرة وجدنا طريقا للفرار من إيران لنلتحق بمعسكر مجاهدي خلق في العراق، واستشهد في اشتباك مع قوات الحرس.

والدي سید أبوالقاسم برهاني کان رجل دين شهير في مدينة قزوين ومعارضا للشاه والخميني. أمره الخميني بخلع لباسه الديني، لكن والدي لم يخلعه، وقال: هذا هو تقليد رسول الله. يريد الخميني، باستخدام هذا الثوب، التستّر على جرائمه وإضفاء الشرعية على حكمه.

تعذيب النساء: وحشية بلا نهاية

هنغامة حاج حسن: الجرائم بحق السجينات تعجز اللغة واللسان عن وصفها

تقول هنغامة حاج حسن: إن من بين الوحوش الذين وقعت في قبضتهم، رجل يدعى حاج داود رحماني، توفي مؤخرا وأثار موته ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية. وجاء في إعلان وفاته أنه “أظهر الأخلاق الحميدة والطيبة”.

في نوفمبر 1981، تم اعتقالي في الشارع لدعمي مجاهدي خلق. وبالطبع، تم القبض على العديد من الأطباء والممرضات قبلي وحتى أنه تم إعدامهم. منذ بداية اعتقالي في الشارع، عصبوا عينيّ وألقوني في سيارة وأخذوني إلى العنبر 209 المخيف والمروّع في سجن إيفين، حيث ربطني المحقق بسرير التعذيب.

وقاموا بتقييد يدي بالسلاسل إلى الجزء العلوي من السرير وربط ساقي بإحكام شديد إلى الحافة السفلية من السرير، إلى درجة أنني لم أستطع تحريك ساقي مهما حاولت. وجلس حارس آخر على ظهري وألقى بطانية على وجهي … وانهالوا عليّ بضربات متتالية، لا أعرف كم عددها! لكني كنت أصرخ من الألم.

استمرت عمليات الضرب والاستجواب المتتالية ثلاثة أشهر، حيث غطّى المحققون وجوههم ونادوا بعضهم البعض بأسماء مستعارة، مثل “صالح” و”تقي”. والشخص الوحيد الذي تمكّنت من تحديد هويته هو إلياس نادران، الذي كان عضوا في مجلس شورى الملالي لسنوات عديدة.

بعد 11 شهرا، تم نقلي إلى سجن قزل حصار، حيث كان الحاج داود رحماني، الذي مات مؤخرا، رئيسا للسجن.

وحظي رحماني بثقة كاملة من قبل جزار سجن إيفين لاجوردي، بسبب خدمته في أعمال التعذيب الشديد لأعضاء مجاهدي خلق والمعارضين الآخرين في السجن.

كانت جميع الأجنحة والعنابر بالسجن مليئة بالأمراض الجلدية مثل الجرب والفطريات، والجرائم التي ارتكبها السجانون بحق السجينات كانت أعمالا مخزية تعجز اللغة واللسان عن وصفها.

وفي السجن كانت أرواح وممتلكات وشرف السجناء مباحة ومشروعة للسجانين بفتوى من الخميني، مثل اغتصاب الأخوات القاصرات قبل الإعدام ورذائل أخرى.

تم نقلي إلى عنبر تأديبي لأكثر من 7 أشهر، حيث كان عرضه 50 سم وطوله مترين فقط وكنت معصوبة العينين طوال الوقت ويسود الصمت المطلق.

هناك اعتقلت صديقتي شكر محمد زادة، التي كانت تحمل شهادة ليسانس في التمريض، في عام 1981. وعلى الرغم من الحكم عليها بالسجن 15 عاما، فقد تم إعدامها في مذبحة عام 1988. وعندما تم اعتقالها كانت تعتني بالجرحى الذين أصيبوا برصاص قوات الحرس واعتقلت في غرفة العمليات، وتم اقتيادها إلى السجن. وقالوا لدى محاكمتها إن من أخطر الجرائم رعاية جرحى ومصابي الاحتجاجات.

صفعة أم على وجه لاجوردي

Thumbnail
ويقول سيد حسين سيد أحمدي من طهران، الذي قُتل أفراد عائلته على يد عملاء نظام الملالي: كنا 5 أشقاء وشقيقتين نعيش مع والديّ في منطقة “طهران نو”، شرق طهران.

في عام 1980، لم يعد أخي محسن إلى المنزل ذات يوم، وكان يبلغ من العمر 30 عاما، واعتقل مع سبعة أصدقاء آخرين من أجل بيع مجلة مجاهدي خلق في طهران وحكم عليه بالسجن لمدة عام. لكنه لم يُفرج عنه قط، وبعد ثماني سنوات في 30 يوليو 1988، كان من أوائل السجناء الذين أُعدموا في مذبحة السجناء السياسيين في سجن جوهردشت.

جاء اعتقاله في وقت كانت فيه أنشطة مجاهدي خلق لا تزال حرة ولم يتم حظرها بعد.

أخي الآخر محمد سيد أحمدي 25 سنة، اعتقل في فبراير 1986 وحكم عليه بالسجن 15 سنة، كان من أوائل المجموعات التي أعدمت في إيفين في 1988.

وذات مرة، عندما ذهبت أنا ووالدتي لزيارة أخي محسن في سجن إيفين، أخبر محسن والدتي أنه تعرض للتعذيب. رأيته عن قرب وأدركت أنه لا يستطيع المشي.

احتجّت أمي بشدة على لاجوردي، الذي كان رئيس سجن إيفين والمعروف بجلاد إيفين، وقالت له: لماذا تعذبون أبناءنا.. نفى لاجوردي وقام بإهانة السجناء وقال: إنهم يكذبون.

غضبت والدتي من جواب لاجوردي وصفعته على وجهه، فأخذ الحراس والدتي إلى السجن لمدة أسبوع، وعذبوها وكسروا ذراعها اليمنى.

عومل والدي بنفس الطريقة، لأنه كان من أولئك الذين قاوموا النظام حتى النهاية، ولم يستسلموا.

في نوفمبر 1988، أُبلغت والدتي بالذهاب إلى إيفين وأعطيت حقيبة بمتعلقات أخويّ محسن ومحمد، وكانت تحتوي على عدة قطع من الملابس التي، بالطبع، لا تخص إخوتي.

كانت عمليات الإعدام عديدة إلى درجة أنه لم يكن من الممكن فصل متعلقات وأغراض السجناء وتمييزها عن بعضها البعض. لم يكن هذا مجرد خطأ في تسليم أغراض سجين لعائلة سجين آخر، ذلك أن فوضى الإعدامات كانت لا تتيح لحراس السجن أن يميزوا بين متعلقات سجين وآخر.

كما تم إعدام أخي الأكبر علي سيد أحمدي في 1 سبتمبر 2013 في مذبحة أشرف مع 51 آخرين من أعضاء مجاهدي خلق.

وقتلت فاطمة أبوالحسني زوجة علي عام 1982 في هجوم شنته قوات الحرس على منزلهم في طهران.

وبعد استشهاد الأم، نُقل طفلها الصغير إلى سجن إيفين، حيث مكث فيه لمدة أربع سنوات وأصيب بالكساح، ثم نُقل بعد ذلك إلى دار للأيتام.

170 نوعا من التعذيب

Thumbnail
ویقول حسن ظريف وهو من السجناء السابقین: اعتقلت في نهاية عام 1981 لدعمي مجاهدي خلق. اقتحمت قوات الأمن منزلنا بأربع سيارات وعدد كبير من المسلحين وأخذوني. كما تم القبض على أختي الصغرى وخطيبتي قبلي.

وفي هذا الهجوم أخذوا معهم العديد من المتعلقات الشخصية، بما في ذلك الكتب وألبومات الصور والكاميرات ومعدات تسلق الجبال وغيرها الكثير.

منذ تلك الليلة، سُجنت لمدة 12 عاما حتى عام 1992، وتعرضت لكافة أنواع التعذيب. وأثناء الاستجواب، قُيدت في سرير وضُربت بأسلاك كهربائية على أسفل قدمي وخصري.

كما تعرضت خطيبتي للضرب بالكبل للحصول على معلومات منها. بعد هذه المرحلة، حُكم عليّ بالسجن 15 عاما في محاكمة مدتها ثلاث دقائق دون محام.

حسن ظريف: رئيسي أحد أعضاء فرقة الموت التي قتلت المئات من الإيرانيين

كان الجو في قاعة المحكمة من النوع الذي لم أكن أدرك حتى أنها كانت قاعة محكمة. ظننت أنني قد تم نقلي إلى فرع آخر للاستجواب. التعذيب في سجون الخميني ليس مجرد استجواب. وبعد صدور حكم جديد تبدأ جميع أنواع الضغوط النفسية وعمليات التعذيب. لأن هدف حارس السجن هو تحطيم روح السجين.

بعد تلقي الحكم الصادر بحقي، تم نقلي إلى الحبس الانفرادي في سجن قزل حصار، حيث تم اعتقال 25 شخصا قسريا.

كنا تحت تعذيب مستمر لمدة شهرين. كان هذا الوضع لا يزال ضمن “أيامنا الجيدة”. فخلال سنوات السجن، انتشر نوع جديد من التعذيب كالحبس في الأقفاص والتوابيت والقبور. والحرمان من النوم والضغط على أرجلنا مع بقاء الخصر مرتفعا إلى درجة أن الكثير من المعتقلين فقدوا أعصابهم بعد ثلاثة أيام.

وفي عام 1987، عندما أضربنا عن الطعام بسبب الضغوط التي مورست علينا تم استجوابي وتعذيبي بالكبل مع سجناء آخرين. كان الضغط رهيبا إلى درجة أنني أردت الانتحار. وبقيت في الحبس الانفرادي لمدة عام تقريبا.

من بين 175 معتقلا لدينا، تم إعدام 150 في مجزرة العام 1988. ومن بين 12 جناحا للرجال في إيفين، نجت ثلاث غرف فقط.

وكان أعضاء “فرقة الموت” في طهران هم إبراهيم رئيسي، وحسين علي نيري، ومصطفى بور محمدي، وإسماعيل شوشتري، ومرتضوي مدير السجن، وزماني مدير مخابرات سجن إيفين.

ولقد أعددنا قائمة بـ170 نوعا من التعذيب في السجون وأحصينا أسماء 877 ضحية من ضحايا المجازر في سجني إيفين وجوهردشت لنقدمها إلى أحد المحققين. لكنهم لم يسمحوا له بلقائنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى