أحدث الاخبار: اخبار المقاومة الايرانية

لا تقتلوا هذه الفراشة!

المجاهد حميد اسديان و المجاهدي الشهيد«هادي تعالى»

بقلم حميد اسديان
لأجلك «هادي تعالى»

يا له من فراشة احترقت

 ولم يكن بوسعنا فعل شيئ من أجلها

 وبقينا فقط بانتظار عصا موسىى

لا تقتلوا هذه الفراشة!

إني أعرفها

تسكن في أيكة نائية

دفنت فيها شموع محروقة

وأعرف أنه كلما ينزل الغيث

تقع قطرة ندى على تاج زهرة الشرف

ولا تقتلوا هذه الفراشة في ظهر ساكت للصمت!

لأنها وشيكة الموت

فراشة لم تستسلم!

(في رثاء هادي تعالى)
في أيار/مايو المنصرم، نجحت أن أسافر إلى ألبانيا لا من أجل السياحة وإنما للالتقاء بأصدقاء قد نقلوا شامخين من مخيم ليبرتي إلى ألبانيا بعد أن تحملوا مصاعب جمة. وكلما كنت ألتقي بهؤلاء الأبطال الشرفاء الصامدين كلا على انفراد وكلما تعلمت درسا من إخوة وأخوات نقلوا منتصرين إلى ساحة أخرى من أرض الجهاد بعد أن تجاوزوا صراعا صعبا فرضه عليهم المالكي ومرتزقوه. ولا شك أنهم قد نالوا هذه الانتصارات بتضحية منقطعة النظير من دماء الشهداء وبتحملهم شدائد صارمة. ولكل واحد منهم حكاية تسطر مصير جيل مجيد لن يستسلم قط. وفي فترة تواجدي هناك، كنت أكرر دائما عبارة لـ«امه سزر» حينما قال: «يجب أن يكون الشعر صوت الصامتين». وفي حوار أجريته بيني و«امه سزر» كنت أقول في نفسي: لماذا يجب أن يقتصر هذا الفخر على الشاعرين فقط؟ وألا ينبغي أن نعرّف الإنسان الواعي الثوري بجملة: «يجب أن يكون الإنسان صوت الصامتين»؟ فلذلك أصغيت إلى أحاديثهم ورواياتهم وقابلت ما يربو على50 منهم واستخلصت هذه المقابلات في تأليف اسمه «لنكن صوت الصامتين».

وكان «هادي تعالى» من ضمن الذين قابلتهم. وأول مرة رأيته كان في قاعة عامة بمنزل يعيشه. ولم أكن أعرفه في السابق لكنه اقترب مني بلطف وثم قبلني قائلا لي بصوت خافت: أعتذر لك لأني لا أستطيع أن أتكلم بصوت عال.

وبعد أن ذهب «هادي»، قدمه لي «شهرام» قائلا: عمره يناهز 60عاما وهو مصاب بمرض سرطان الرئة منذ 4سنوات وهذا هو سبب أنه لايتمكن من أن يتكلم بصوت عال. وكان صوته خافتا لكن عيونه اليقظة كانت تبعث روح الحياة. وتابع شهرام قائلا: قبل أيام ذهبت معه إلى الطبيب. وكان مفعما بالنشاط والحيوية بحيث أن الطبيب قد ظن أنني هو المريض. وعندما قلت للطبيب إن المريض الذي يجب فحصه هو «هادي» لم يصدق الطبيب ذلك لكنه وعندما قرأ ملفه الطبي فسرعان ما بكى. كان الطبيب اسمه الدكتور علي وهو مسلم ومنور الفكر. وكلما يرى هادي وكلما يبكي ويجلب زملاءه ليروا هادي الذي كان يقهقه بصوته الخافت.

بعد مرور بضعة أيام قال لي شهرام « تدهورت الحالة الصحية لـ”هادي“ إلى أسوأ وذهب الأمر أبعد من الرعاية الصحية والعلاج الكيمائي. والآن ننتظر ”إذ المنية تنشب أظفارها“». وكانت عيوني تستهل دموعا. وحدث لي صديق آخر لـ«هادي» بأن «إقناعه بالنقل إلى ألبانيا كان أمرا بالغ الصعوبة بحيث أنه قد تسبب في أن الجميع قد بكوا في جلسة عامة لكنه رفض أن ينقل إلى ألبانيا وهو يبكي ويقول: «إني أعرف أنني لا أعيش كثيرا لذا أود أن أموت هنا (ليبرتي)». وبعد أن نقل إلى هنا (ألبانيا) ينشط في كل الأمور ولا يترك الرياضة».

وفي اليوم التالي لتلك المقابلات، أصبحت حميما وقريبا لـ«هادي» بسهولة. وهو كان يتعامل في غاية اللطف والمرونة كونه كان يكد لإنشاء الصداقة. تكلمت معه وطالبته بأن يشرح ما وقع عليه خلال السنوات الأخيرة. وعندما سمعت كلامه فترقرقت عيوني بدماء بدلا من الدموع بينما كنت أريد أن أقبل وجهه ويديه ورجليه لا مرة واحدة فقط وإنما مائة مرة. (سجلت صوته وأعرضه في نهاية هذا النص)

وكانت تلك الأيام قد مرت ووجب عليّ أن أعود من هناك في حين تمزق قلبي بعد سماع روايات إخوتي وأخواتي فردا فردا. وكان اليوم الأخير لإقامتي هناك الموافق بميلاد صاحب العصر والزمان. وبهذه المناسبة قد أقيمت حفلة في مكان اتخذه الإخوة والأخوات مقرا له وثم تعشينا جماعيا. رأيت «هادي» في القاعة. انه كان يشاهد التلفاز في صمت ووقار. تحدثنا معا واحمر وجهه لأنه كان يعرف أني كنت أشد الرحال. وابتسم إليّ بحيوية ونشاط وقال بصوت منخفض يصعب علي سماعه: تعال لنلعب معا لعبة الشطرنج. أود أن أتغلب عليك! لكنه لم يتمكن من مواصلة الحديث. جلسنا على بساط اللعبة. في بادئ الأمر هجم هادي عليّ. لكني لم أكن أتركز وطار خيالي قائلا في نفسي: هذا يوم أخير أرى فيه هادي! وفي الليلة التالية ليوم تغلب فيه عليّ «هادي»، كتبت في مذكراتي اليومية قائلا: «بما أن هذا الشخص شريف ومحتشم للغاية يوقعني في حيرة» وكلما أحدقت النظر فيه وكلما تمزق قلبي. وعندما كنت أتصور بأننا سنفتقد هذا الشخص الشريف المحتشم فإني كنت أقع في حيرة. وكنت أشعر بأن ثروة إنسانية سترحل من هذا العالم العاري من الشرف والمجد. ولم أكن أرغب في رؤيته حتى لا أستعيد ذاكرة منه. ولم أكن أرغب في أن أجول النظر في وجهه وعينيه لأنها كانت حادة شاهرة كالسيف. وكنت أشعر بأني لا أتحمل مشاهدة يوم لا يكون هادي فيه على قيد الحياة.

لذلك قدمته شعر «لا تقتلوا هذه الفراشة» وسجلته في ظهر قلبي دون أن أتحدث بشأنه مع أحد. ماذا كان بوسعي أن أعمل؟ وفي أيام قادمة لهذا اللقاء، لم أقض يوما وإني لم أفكر فيه وكتبت في مذكراتي اليومية قائلا: «ما أعظم هذا الألم! وإني أشعر الآن بألم أكثر شدة من ألم افتقاد شقيقي. يا ليتني أتمكن من فعل شيء من أجله. وأقول بكل ما تحمله الكلمة من معنى: يا ريت أنه كان بحاجة إلى قلب أو كلي أو عين أو دم حتى أقدمه فورا لربما يجدي فائدة».

وأخيرا سمعت أن الله قد أختاره لجواره. سالت دموع من عيناي غاضبا حيال قتلته الذين عذبوه وآذوه. إني على يقين بأننا يمكننا أن نتجاوز آلامنا الشخصية لكنه لا يحق لنا أن نتجاهل أعمال الجلاوزة والخونة. ولا يُسمح لنا أن ننسى أن تنفسنا في هذا العالم مرهون بأصوات خافتة تتعلق بنظراء «هادي». ويجب أن نضم صوتنا إلى صوته بملء فيه حينما قال: «حتى الرمق الأخير، عاشت الثورة وعاش المجاهدون». وفي ليلة ما، رأيت «هادي» وتكلمت معه وعاهدته مجددا وفي صبيحة تلك الليلة كتبت قائلا: «أنظر إلى ”هادي تعالى“ بنظرة أخرى لأنه رحل إلى منزل آخر. وما الفرق بيننا كوننا كلنا نتجه نحو منزل آخر؟ الفرق هو أن هادي كان يمتلك توقيتا نسبيا لرحيله لكننا نسبح نحو منزل آخر بشكل خفي. إذن لا ينبغي أن نجعل حرقة في قلوبنا تجاه رحيله إن كنا على يقين بأنه يرحل إلى ”منزل آخر“ وإننا سنلاقيه. إن هذه الرؤية تمنحني سكينة. لا للعبث لا للهدر وإنما نحن إلى الخلود وإلى ضمنا للكون لنحيا من جديد. أما بالنسبة لـ”هادي“ فإنه رائد في هذا السبيل. يا له من سعادة وهو رحل مرفوع الرأس! لأحاول أن أكون مثله. وسوف ألعب شطرنج مع ”هادي“ في ”المنزل الآخر“ وسوف أتغلب عليه. وثم نضحك معا وفي وقت لاحق يفوز عليّ. وفي المنزل الآخر سيتكلم معي ”هادي“ بصوت عال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى