أحدث الاخبار: الملف النووي

مواقف لا تعدو أن تكون (ذراً للرماد في العيون)،إيران وضرورة وجود عدو

الجزيرة السعودية -محمد آل الشيخ: لا يمكن لإيران الثورة أن تبقى دونما عدو. وجود عدو لإيران هو شرط يتعلق ببقاء النظام، يجب أن تصنعه إذا لم تجده لتستمر جمهورية الملالي، وهذا ما يستشف من خطاب الولي الفقيه الذي أبدى فيه تحفظه على بعض تصرفات الرئيس روحاني في رحلته الأخيرة إلى نيويورك، وأشار إلى (أن بعض جوانبها «لم تكن ملائمة» وأنه لا يثق في الولايات المتحدة كشريك في التفاوض).

في حين عبر قائد الحرس الثوري بوضوح عن عدم رضاه عن المكالمة الهاتفية التي تمت بين الرئيس الأمريكي أوباما والرئيس روحاني، وصعّد إلى القول : (اذا لاحظنا أخطاء لدى المسئولين فإن القوات الثورية ستوجه التحذيرات الضرورية).
والسؤال : هل ثمة انقسام حقيقي في إيران حول سياسة التقارب مع الولايات المتحدة والغرب؟
مرشد الثورة، وكذلك جنرالات الحرس الثوري، يدركون أن (وجود العدو) هو الشرط الذي لا يمكن الاستغناء عنه كي يبرروا للمواطن الإيراني أن ثمة (مؤامرة) من الغرب وبالذات امريكا تُحاك ضده وضد بلده، وأن ما يُعانيه من ضغوط اقتصادية خانقة سببها تربّص هذا العدو به، ما يجعل اليقظة والصبر والتحمل، والتسلح بأي سلاح ممكن، بما فيه السلاح النووي، بمثابة الشرط الذي لا يمكن التنازل عنه لمواجهة هذا العدو وإفشال محاولاته. وقد غَذّت خُطب الملالي وتصريحاتهم (عقدة التوجّس) هذه عند الإيرانيين على مدى أكثر من ثلاثة عقود؛ وكل من زار إيران يلحظ ترسيخ هذا التوجس، وتكريسه، ليس فقط على مستوى الخطاب الإعلامي الرسمي، وإنما كذلك في الخطب الدينية، والشعارات والعبارات التي تلقاك في كل زاوية في شوارع إيران وميادينها؛ لذلك فإن (التصالح) مع الغرب وبالذات أمريكا، كما هو مسعى رئيس إيران الجديد، يجب ألا يمس أحد ثوابت الخطاب السياسي الإيراني طوال عمر الثورة وهو إظهار الغرب كعدو، حتى ولو اضطر النظام إلى (فبركة) أن ثمة خلافاً بين مؤسسة الرئاسة وبقية المؤسسات الحاكمة في إيران حول التقارب مع الغرب وإظهاره إلى العلن، لأن النظام سيفقد قدرته على ترحيل مشاكله الداخلية إلى مواجهة هذا العدو الافتراضي في الخارج.
والأمر كذلك ينطبق على العداء الإيراني الإسرائيلي أيضاً، فمثلما هو في مصلحة إيران، فهو، وربما بالقدر نفسه، في مصلحة اسرائيل؛ وهذا ما يُؤكده الاسرائيليون أنفسهم؛ فقد أشارت صحيفة «يدعوت احرنوت» الإسرائيلية في أحد تقاريرها الصحفية إلى أن : (وجود إيران ضرورة لبقاء إسرائيل, ووجود إسرائيل ضرورة لبقاء النظام الإيراني, وإذا لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدها نظام طهران, وإذا لم يكن النظام الإيراني موجوداً لأوجدته إسرائيل، فكلاهما ضرورة لوجود الآخر, كلاهما يحشد الشارع خلفه في حرب وهمية ضد الآخر, بل كلاهما يحشد الشارع الإسلامي والدولي ضد الآخر). أي أن إظهار العداوة مصلحة متبادلة بين إيران واسرائيل؛ رغم أن هناك تعاوناً دائماً بينهما في الخفاء،كما حصل في ما سُمي حينها بفضيحة (إيران قيت) أثناء حرب الخليج الأولى، ويبدو أن هذه العملية التعاونية كانت غيضاً من فيض.
والأمريكيون يدركون أهمية هذه الضرورة الدعائية بالنسبة للإيرانيين، لذلك كانوا لا يهتمون كثيراً بالخطاب (العدائي) الإيراني الرسمي المعلن، قدر اهتمامهم بما يجري خلف الكواليس، وهذا ما ثبت بوضوح عندما غزا الأمريكيون العراق، ومواقف الفصائل السياسية الشيعية في العراق والمدعومة إيرانياً من الغزو، وتعاونها إلى درجة التحالف مع الأمريكيين. وكذلك أثناء غزو الأمريكيين والقوات المتحالفة لأفغانستان، فلم يكن بمقدور أمريكا والقوات الغربية أن تقوم بالغزو لولا الموافقة الضمنية الإيرانية، رغم أن خامنئي حينذاك كان قد صرح قائلاً : (إننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله ونعارض الحملة الأمريكية على أفغانستان ونرفض الدخول في أي تحالف تقوده أمريكا)؛ غير أن الواقع على الأرض كان يسير في اتجاه آخر
كل ما أريد أن أقوله هنا: إن موقف مرشد الثورة الأخير وكذلك مواقف جنرالات الحرس الثوري المتحفظة على جهود الرئيس روحاني الأخيرة التي تسعى إلى التقارب مع الغرب والولايات المتحدة، هي مواقف لا تعدو أن تكون (ذراً للرماد في العيون)، تحافظ على العدو في العلن، وتتعامل معه خلف الكواليس ليس إلا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى